اسد حيدر
113
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
إلى الاتحاد ضد أولئك الظلمة امتثالا لقوله تعالى : ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِين ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُم النَّارُ « 1 » فهو يبث نصيحته بين طبقات ذلك المجتمع بصفته إمام زمانه ويواصل جهاده في سبيل الدعوة الإصلاحية ، ليفك أسر الأمة من يد من أفسدوا ذلك المجتمع الصالح ، وقد عاش عليه السّلام مدة من الزمن وعاشر كثيرا من ملوك عصره فما ركن لهم ، وما استطاعوا أن يستميلوه وقد حاول المنصور أن يستميله عليه السّلام ليوهم الناس أن ولايته على حق ، فأرسل إليه : لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟ . وكان المنصور يظن أن ينال من الإمام جوابا يحقق هذا الطلب إذ المنصور سلطان العصر ومهاب الجانب . فكان جواب الإمام عليه السّلام : « ما عندنا من الدنيا ما نخافك عليه ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك عليها ، ولا تعدها نقمة فنعزيك عليها ، فلم نغشاك ؟ » وعظم هذا الجواب على المنصور ولكنه يعرف منزلة الصادق عليه السّلام وصدقه في ذلك ، وحاول أن يسلك طريقا لضم الإمام إلى جانبه كما ضم غيره ، إذ يصعب عليه انعزاله وترفعه عن مخالطته ، فأرسل إليه : إنك تصحبنا لتنصحنا . ولم يخف مراده على الإمام فأجابه : « من أراد الدنيا فلا ينصحك ومن أراد الآخرة فلا يصحبك » . وقد استخدم المنصور وجهي سياسته من الفضاضة الدنيئة والليونة المصطنعة ليجعل الإمام كالآخرين الذين يتحاشونه ثم ينفذون ما يريده منهم ، والحقيقة أن موقف الإمام الصادق من المنصور كان يمثل مشكلة سياسية ودينية احتلت أهمية كبيرة في سياسة المنصور ، وما دام الإمام يقطن في المدينة فقد كانت الشكوك تأكل قلب الدوانيقي فيهب إلى الموسم أو العمرة وغرضه أن يرى بنفسه ما يفعل الإمام جعفر الصادق وقد احتل تلك المكانة السامية في نفوس العلماء والعامة ، ويقوم المنصور بإحضاره إذا ما جاء المدينة أو وهو في حاضرة ملكه فنرى في أحاديثه وأقواله مع الإمام محاولاته المختلفة حتى أعياه ، فهو يقصد رجلا يفيض علما وإيمانا ومن صفوة استتر المنصور وأهله بشعارهم حتى تمكنوا من الحكم ، ومنزلة آل البيت تزداد قوة ،
--> ( 1 ) سورة هود ، آية : 113 .